عمر فروخ
30
تاريخ الأدب العربي
ولكنّ هذه الذالّ قد انقلبت الآن دالا مهملة ( بلا نقطة ) في اليونانيّة والفارسيّة والنّروجيّة والأسوجية والألمانية وفي الفرنسية ، ولكنّها ملموحة في الإسبانية « 2 » . كلّ هذا راجع إلى الموسيقى ( أو إلى استسهال لفظ صوت دون صوت آخر في أمّة دون أمّة ) . ويدعو إلى الدهشة أحيانا أن نجد ألفاظا متقاربة للمدرك الواحد في اللّغات المختلفة . هنالك كلمة « شمس » العربية ، فإنّها في العبريّة شمش ( بإمالة حركة الميم ) ، وفي الآراميّة شمشا . ثمّ نجد في العوامّ عندنا وفي الأطفال أيضا من يقول : سمش وسمس . فمن أين يجيء هذا الاختلاف إذا نحن أهملنا عامل الموسيقى في كلام الناس ؟ والموسيقى في اللغة ليست قاصرة على الألفاظ المفردة وحدها ، بل هي تتناول التركيب أحيانا إلى جانب الإعراب والمنطق أيضا . حينما نقول في اللغة العربية : رأى عليّ سعيدا أو رأي سعيدا عليّ ، فالإعراب هنا هو الذي يدلّ على الفاعل ويدلّ على المفعول به ( سواء أتقدّم الأوّل على الثاني أم تقدّم الثاني على الأوّل ) . وكذلك إذا نحن قلنا أكلت هند التّفّاحة أو أكلت التفّاحة هند ، فإنّ الأعراب والمنطق يعملان هنا معا في تمييز الفاعل من المفعول به . أمّا إذا قلنا : رأى عيسى موسى أو زارت سلمى ليلى ، فالمنطق يقضي هنا أنّ نجعل الاسم المتقدّم فاعلا . ويتندّر الناس بالتركيب التالي : أكل الكوسى موسى ، فالفاعل هنا موسى ، سواء أتأخّر ( كما في هذه الجملة ) أو تقدّم ( كقولنا : أكل موسى الكوسى ) . غير أنّ النّحاة يتندّرون بجملة أشدّ شذوذا ويهملون الإعراب في سبيل المنطق ويقولون : خرق الثوب ( بالضمّ ) المسمار ( بالفتح ) . ومع أنّ « الثوب » هو هنا ( بحسب الإعراب ) الفاعل ، فإنّ
--> ( 2 ) في الفارسية القديمة : باذ ( ريح ) ، داذ ( أعطى ) . والآن هما : باد ، داد . والمثل من الإسبانية : Nada ، ولا تزال هذه الدال الإسبانية تلفظ في الجنوب وفي عدد من المناطق الأخرى « ذالا » معجمة . وقد تسقط في اللفظ ( إذا جاءت طرفا أو قبل الطرف بحرف ) ، في عدد من الأماكن أيضا .